التقارير

تشويه الاستشهادات الناتج عن الذكاء الاصطناعي: أزمة الثقة في النشر الطبي الحيوي تتحول إلى قضية حوكمة بحثية عالمية

وجد تدقيق واسع النطاق لمقالات الطب الحيوي المتاحة مجانًا في PubMed Central أن الكتابة بمساعدة الذكاء الاصطناعي، ومصانع الأبحاث، وتزوير الاستشهادات تعمل معًا على تقويض منظومة الأدلة الأكاديمية. وهذه المشكلة لا تتعلق بأخلاقيات النشر فحسب، بل تمس أيضًا الحوكمة العالمية للبحث العلمي، وموثوقية المعرفة الطبية، وإتاحة الوصول إلى المعرفة في البلدان النامية، وإعادة بناء البنية التحتية العلمية في عصر الذكاء الاصطناعي.

التوليد الاصطناعي للمراجع المشوّهة: أزمة ثقة في النشر الطبي الحيوي، تمتد لتصبح قضيةً عالمية في حوكمة البحث العلمي

يكشف تدقيقٌ يبدو في ظاهره شأنًا داخليًا يخص النشر الأكاديمي عن مشكلة تنموية عالمية أوسع: فعندما يدخل الذكاء الاصطناعي التوليدي إلى مسار كتابة الأبحاث، تبدأ في الوقت نفسه «الزيادة منخفضة التكلفة» في إنتاج المعرفة و«التسرب عالي المخاطر» في جودة الأدلة. ووفقًا لرسالة منشورة في مجلة «لانسيت» وتقارير ذات صلة، أجرى فريق بحثي تدقيقًا لنحو 2.5 مليون ورقة بحثية في مجال الطب الحيوي ضمن قاعدة البيانات المفتوحة الوصول PubMed Central، تغطي الفترة من 1 يناير 2023 إلى 18 فبراير 2026، وتم في نهاية المطاف تحديد 4046 مرجعًا مزيفًا ضمن 97.1 مليون مرجع موثّق، موزعة على 2810 ورقة.

هذا ليس موضوعًا هامشيًا يخصّ دوائر النشر وحدها. فهو يرتبط بما إذا كانت الأدلة الطبية موثوقة، وما إذا كانت المراجعات المنهجية متينة، وما إذا كانت الإرشادات السريرية موثوقة، كما يرتبط بكيفية استخدام مؤسسات البحث في بلدان الجنوب العالمي لنظم المعرفة التي ضاعفتها المنصات الرقمية في ظل موارد محدودة. والأهم من ذلك، أنه يذكّر صانعي السياسات بأن الذكاء الاصطناعي لا يجلب زيادة في الإنتاجية فحسب، بل يعيد أيضًا تشكيل المنطق الأساسي للنزاهة البحثية، والتحقق المعرفي، والتعاون الدولي.

من «أداة كتابة» إلى «مصدر تلوث للأدلة»

نظر كثير من الباحثين في البداية إلى الذكاء الاصطناعي التوليدي بوصفه أداة مساعدة لتحسين الكفاءة: يساعد في صقل اللغة، وترتيب المراجع، وتوليد المخططات الأولية. غير أن هذا التدقيق أظهر أنه عندما يُدمَج الذكاء الاصطناعي بلا ضوابط في مسار الكتابة الأكاديمية، فإن تشوّه الاستشهادات قد يتحول سريعًا من أخطاء فردية إلى خطر واسع النطاق.

استخدم فريق البحث عملية تحقق آلية، مع المقارنة المتقاطعة بين قواعد بيانات مثل PubMed وCrossref وOpenAlex وGoogle Scholar، وبمساعدة نماذج لغوية كبيرة لفرز البنود المشبوهة. وهذه المنهجية ذات أهمية عملية: ففي ظل حجمٍ يصل إلى ملايين الأوراق، يصبح التدقيق اليدوي التقليدي شبه مستحيل، وأصبح الجمع بين الأتمتة والمراجعة البشرية مسارًا واقعيًا لحوكمة البحث العلمي على نطاق واسع.

لكن المشكلة تظهر هنا أيضًا: فمتى ما تأخرت آليات التحقق من الاستشهادات نفسها، يمكن للذكاء الاصطناعي التوليدي أن يضخ بكميات كبيرة محتوى «يبدو كأنه دليل» داخل منظومة المعرفة. وفي المجال الطبي، يكون هذا التشوّه بالغ الخطورة، لأن الإرشادات السريرية وتقييمات الأدوية وأبحاث الصحة العامة تعتمد على أساسٍ من المراجع القابلة للتتبع والتحقق. فالاستشهاد الخاطئ ليس مجرد خلل شكلي؛ بل قد يؤثر في التوصيات العلاجية، والحكم على السياسات، وتخصيص الموارد.

لماذا لا تعدّ هذه مجرد قضية نزاهة بحثية، بل قضية تنموية عالمية أيضًا

من منظور التنمية العالمية، ليست النزاهة البحثية شأنًا يخصّ برجًا عاجيًا داخليًا، بل هي جزء من القدرة العامة. فبالنسبة للدول ذات الدخل المرتفع، يعني الاستشهاد الخاطئ أساسًا تضرر السمعة الأكاديمية؛ أما بالنسبة للدول منخفضة ومتوسطة الدخل، فقد يعني أيضًا هدرًا لتمويل بحثي محدود، وتلويثًا للأدلة التي تُبنى عليها السياسات، وامتصاص النظام الصحي لأدلة غير موثوقة.بالنسبة إلى الدول ذات الدخل المرتفع، يعني الاستشهاد الخاطئ أساسًا تضرر السمعة الأكاديمية؛ أما بالنسبة إلى الدول ذات الدخل المنخفض والمتوسط، فقد يعني أيضًا هدرًا في التمويل البحثي المحدود، وتلويثًا للأساس الذي تستند إليه السياسات، وقيام الأنظمة الصحية بابتلاع أدلة غير موثوقة.

البنك الدولي، وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، ووكالات التنمية متعددة الأطراف، شددت في السنوات الأخيرة باستمرار على أن «القدرة المؤسسية» و«القدرة على البيانات» من العوامل الحاسمة في تحديد نتائج التنمية. واليوم لم تعد هذه القدرة مقتصرة على إدارة المالية العامة أو النظم الإحصائية، بل تشمل أيضًا منظومة إنتاج المعرفة نفسها: هل يمكن التحقق من الورقة؟ هل يمكن إعادة إنتاج البحث؟ هل يمكن تتبع الاستشهادات؟ هل يمكن تدقيق قواعد البيانات؟

ويرتبط هذا ارتباطًا وثيقًا ببُعد «الحوكمة» في ESG. ففي الماضي، كان ESG يُستخدم أكثر في إفصاحات الشركات، وإدارة سلاسل التوريد، وتقييم أسواق رأس المال؛ أما الآن، فقد بدأت قضايا الحوكمة المحيطة بالمحتوى الذي تولده الذكاء الاصطناعي تدخل أيضًا في نطاق مسؤوليات المؤسسات البحثية ودور النشر وشركات المنصات. وإذا لم تتمكن مؤسسات النشر الأكاديمي من بناء آليات أقوى للتحقق من المراجع، فإنها تكون عمليًا قد تركت فجوة حوكمة منهجية داخل سلسلة إمداد المعرفة.

إن تصاعد الاستشهادات المزوّرة يعكس الضغوط الهيكلية على البيئة البحثية

تُظهر عمليات التدقيق أن معدل حدوث الاستشهادات المزوّرة ارتفع من نحو 4 حالات لكل 10 آلاف ورقة في عام 2023 إلى نحو 57 حالة لكل 10 آلاف ورقة في مطلع 2026، أي بزيادة تزيد على 12 ضعفًا. ورغم أن النسبة الفردية تبدو منخفضة، فإن أثرها التراكمي لا يمكن تجاهله في سياق ملايين الأوراق البحثية وسلاسل تحويل المعرفة متعددة المستويات.

هذا الارتفاع ليس مجرد مشكلة تقنية، بل يرتبط أيضًا ببنية الحوافز في البحث العلمي. فعلى المستوى العالمي، لا يزال عدد الأوراق، وعامل تأثير المجلات، ومعدل نجاح طلبات المشاريع، وترتيب المؤسسات، كلها تدفع بقوة نحو نموذج «الإنتاج السريع». وبالنسبة إلى بعض الباحثين، توفر أدوات الكتابة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي حافزًا لخفض التكاليف وزيادة الإنتاج؛ أما بالنسبة إلى مصانع الأوراق، فقد تصبح بمثابة مُسرّع لإنتاج «مظهر أكاديمي» على نطاق واسع.

تكمن المشكلة في أنه عندما يرتفع ضغط النشر وتزيد السهولة التقنية في الوقت نفسه، بينما لا تتطور قدرة أنظمة التحكيم والتحرير والفهرسة على التحقق بالمستوى نفسه، فإن البيئة البحثية ستنتج «خارجية جودة» نموذجية. ولهذا السبب من المهم فهم هذه الظاهرة ضمن إطار الحوكمة العالمية: فهي لا تعكس خطأً منفردًا، بل عدم التوافق بين آليات الحوافز، وتقنيات المنصات، والرقابة المؤسسية.

ماذا يعني ذلك بالنسبة إلى الدول النامية

بالنسبة إلى العديد من الجامعات والمستشفيات والمؤسسات البحثية في الدول النامية، يكون التأثير المزدوج للذكاء الاصطناعي التوليدي أكثر تعقيدًا. فمن جهة، يخفض هذا الذكاء الحواجز اللغوية، ويساعد الباحثين غير الناطقين بالإنجليزية على الدخول أسرع إلى منظومة النشر الدولية؛ ومن جهة أخرى، يزيد الاعتماد على قواعد البيانات الخارجية، والأدوات التجارية، والنماذج غير الشفافة.

إذا كانت قدرة التحقق من المراجع غير كافية، فإن الباحثين المحليين يصبحون أكثر عرضة للانجراف في «المنافسة على الظهور» على حساب جودة الأدلة. والأكثر واقعية أن النظم الصحية، والإرشاد الزراعي، والتكيف مع المناخ، وإصلاح التعليم في الدول النامية، تعتمد كثيرًا على الأدبيات الدولية وشبكات المعرفة الخارجية. وإذا تسربت إلى هذه الشبكات استشهادات مزوّرة أو غير قابلة للتتبع بأعداد كبيرة، فإن كلفة اتخاذ القرار سترتفع بصمت.

وهذا أيضًا أحد أشكال الفجوة الرقمية الجديدة: ففي الماضي كانت الفجوة تتمثل في نسبة تغطية الإنترنت وتوفر الأجهزة؛ أما اليوم فتتمثل أيضًا فيمن يستطيع استخدام أدوات التحقق عالية الجودة، ومن يستطيع تحمل تدقيق البيانات، ومن يشارك في وضع القواعد.

لماذا يجب أن تتدخل دور النشر ومنصات الفهرسة والمنظمات الدولية كلها

توصي مراسلات مجلة «ذا لانسيت» والجهات ذات الصلة بأن تقوم دور النشر بإجراء فحص للاستشهادات في مرحلة تقديم المخطوطة، وأن تضيف خدمات الفهرسة وسمًا في البيانات الوصفية للمراجع المشبوهة، وأن تنشئ فئة خاصة لتتبع الاستشهادات المزوّرة.مجلة «ذا لانسيت» والهيئات ذات الصلة توصي بأن تقوم دور النشر بالتحقق من المراجع في مرحلة تقديم المخطوطات، وأن تضيف خدمات الفهرسة وسمات بيانات وصفية إلى المراجع المشبوهة، وأن تُنشئ فئات مخصصة لتتبع الاستشهادات المزيفة. هذه التوصيات ليست مبالغًا فيها، بل تمثل الحد الأدنى من متطلبات الحوكمة للبنية التحتية الأكاديمية في عصر الذكاء الاصطناعي.

والسبب واضح جدًا: لم يعد النشر الأكاديمي عملية داخلية لمؤسسة واحدة، بل أصبح شبكة معرفية عالمية عابرة للمنصات وقواعد البيانات واللغات. وما إن تصبح أنظمة مثل PubMed وCrossref وOpenAlex وGoogle Scholar بوابات فعلية للمعرفة، فإنها تؤدي دورًا شبيهًا بالبنية التحتية العامة. والبنية التحتية العامة لا ينبغي أن تكتفي بتوسيع التغطية، بل يجب أن تسعى أيضًا إلى القابلية للتحقق.

ويمكن للمنظمات الدولية أن تلعب دورًا هنا أيضًا. فكما تحتاج مجالات المناخ إلى أنظمة MRV (الرصد، والإبلاغ، والتحقق)، تحتاج حوكمة البحث العلمي إلى أطر تحقق مماثلة. وفي المستقبل، قد تتشكل تدريجيًا معايير عابرة للمؤسسات حول الإفصاح الشفاف عن استخدام الذكاء الاصطناعي في الكتابة، ووضع علامات على صحة الاستشهادات، والتعرف على مصانع الأبحاث، والإنذارات المبكرة المرتبطة بقواعد البيانات. وسيكون هذا هو الجبهة الجديدة للتعاون الدولي.

الحوكمة في منظور ESG يعاد تعريفها

في سياق ESG، لا تُعد دور النشر الأكاديمية والمؤسسات البحثية عادةً من الأصول التقليدية في ESG. لكن إذا نظرنا إلى إنتاج المعرفة بوصفه بنية تحتية اجتماعية، فسنجد أن جودة حوكمتها تؤثر مباشرة في الطب والتعليم والسياسات العامة وقرارات الاستثمار.

وبالنسبة إلى المستثمرين، لم يعد “خطر الحوكمة” في عصر الذكاء الاصطناعي يقتصر على استقلالية مجلس الإدارة أو الإفصاح المالي، بل يشمل أيضًا مصادر البيانات واستخدام النماذج والتحقق من المحتوى. أما بالنسبة إلى الجامعات ومؤسسات البحث، فالمنافسة الحقيقية لا تكمن فقط في عدد الأوراق البحثية، بل في سلامة سلسلة الأدلة. وبالنسبة إلى دور النشر ومنصات قواعد البيانات، فإن القيمة الأساسية في المستقبل لن تكون حجم المحتوى المفهرس فقط، بل القدرة على إدارة الموثوقية.

وهذا يعني أن منظومة تقييم ESG نفسها قد تتطور أيضًا: فمع تدخل الذكاء الاصطناعي في إنتاج المحتوى، يجب أن تشمل مؤشرات الحوكمة شفافية الخوارزميات، وقابلية تتبع المصادر، وآليات تصحيح الأخطاء، ومسؤولية المنصة. وبعبارة أخرى، ستتوسع أبعاد الحوكمة من “الامتثال الداخلي للشركة” إلى “الامتثال داخل النظام البيئي للمعرفة”.

المستقبل يكمن ليس في حظر الذكاء الاصطناعي، بل في إعادة بناء آليات التحقق

إجابة هذه النوعية من المشكلات ليست العودة البسيطة إلى “عصر ما قبل الذكاء الاصطناعي”. فالذكاء الاصطناعي التوليدي له بالفعل قيمة في دعم اللغة والبحث المعرفي والمساعدة البحثية، ولا سيما أنه يقدم مساعدة واقعية للباحثين غير الناطقين بالإنجليزية. والتحدي الحقيقي هو: كيف يمكن، مع تحسين الكفاءة، إعادة بناء آليات التحقق من الأدلة وتتبع المسؤولية؟

وخلال السنوات المقبلة، ما ينبغي متابعته ليس ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيدخل إلى البحث العلمي، بل ثلاثة أمور:

1. هل ستقوم دور النشر بنقل التحقق من المراجع إلى مرحلة تقديم المخطوطات؛ 2. هل ستنشئ منصات الفهرسة وسمًا موحدًا للاستشهادات المزيفة؛ 3. هل ستدرج المؤسسات البحثية الإفصاح عن استخدام الذكاء الاصطناعي وتدقيق الاستشهادات ضمن نظام نزاهة البحث العلمي.

إذا لم تُبنَ هذه الآليات، فسيواصل الذكاء الاصطناعي دفع نمو الإنتاج العلمي، لكن موثوقية منظومة المعرفة ستتآكل باستمرار. وبالنسبة إلى الطب والصحة العامة، فهذه ليست كلفة يمكن قبولها.## الخاتمة: موثوقية المعرفة، أصبحت قدرة تنموية جديدة

لقد ركّزت أبحاث التنمية العالمية في الماضي أكثر على التمويل والبنية التحتية والتعليم والصحة، أمّا اليوم فلا بد من إدراج «موثوقية المعرفة» ضمن الإطار نفسه. لأن السياسات والرعاية الطبية والتعليم والاستثمار في عصر شديد الرقمنة والنمذجة والأتمتة تعتمد بصورة متزايدة على تدفقات معلومات قابلة للتحقق.

أظهر هذا التدقيق الموجّه إلى الأوراق البحثية في مجال الطب الحيوي أن أحد أندر الموارد في عصر الذكاء الاصطناعي قد لا يكون قدرة توليد المحتوى، بل قدرة التحقق من المحتوى. وبالنسبة إلى بلدان الجنوب العالمي، فإن هذه النقطة مهمة على نحو خاص: فإذا تعذّر إنشاء بنية تحتية معرفية موثوقة، فإن الرقمنة لن تؤدي بالضرورة إلى تنمية أكثر عدلاً، بل قد تُفاقم أوجه عدم المساواة القائمة.

وعلى المدى الطويل، فإن ما يحدد حقاً القدرة التنافسية لمنظومة البحث العلمي ليس سرعة الكتابة، بل ما إذا كانت الأدلة قابلة للثقة.

ملاحظة السجل العام · globaldevjournal

تضع globaldevjournal هذه الملاحظة ضمن التنمية / الحوكمة البيئية والاجتماعية والسياسات / المناخ. ينبغي فتح روابط المصادر قبل إعادة استخدام الملخص؛ ما زالت التواريخ والأسماء وتغيرات الحالة تحتاج إلى تحقق (التنمية / الحوكمة البيئية والاجتماعية والسياسات / المناخ يوضح الزاوية التحريرية المحلية).

روابط المصادر

  1. https://letsdatascience.com/news/audit-finds-ai-fabricated-citations-across-biomedical-papers-146e8f2aأساسي

مقالات ذات صلة

العودة إلى القسم