المناخ
تدريب الصحافة المناخية يصبح جبهة جديدة للتنمية العالمية: بناء القدرات الإعلامية من منظور الموارد المهنية
تتناول هذه المقالة قيمة موارد التدريب على صحافة المناخ من منظور التنمية العالمية وحوكمة ESG، وتستعرض برامج التدريب والمنح الدراسية والبرامج الأكاديمية المخصصة للصحفيين. وترى المقالة أن التواصل المناخي المتخصص هو بنية تحتية لتحقيق التحول المستدام.
لم يعد تغيّر المناخ مجرد قضية علمية، فهو يعيد تشكيل المنطق الأساسي للتنمية العالمية: من تحوّل الطاقة إلى القدرة على مواجهة الكوارث، ومن الأمن الغذائي إلى الهجرة السكانية، إذ يكاد لا يخلو هدف من أهداف التنمية المستدامة من الارتباط الوثيق بالمناخ. غير أن هناك حلقة غالبًا ما يُستهان بدورها بين الحقائق العلمية وصنع القرار العام، وهي احترافية التغطية الإخبارية. فجودة أخبار المناخ تحدّد ما إذا كان الجمهور قادرًا على فهم المخاطر، وما إذا كانت السياسات قادرة على حشد الدعم، وما إذا كان رأس المال سيتدفق نحو الاتجاهات المستدامة. ولهذا السبب بالتحديد، أصبح التدريب على صحافة المناخ قضية مهمة في بناء قدرات التواصل في مجال التنمية العالمية.
تستند هذه المقالة إلى دليل موارد أصدرته منصة «Yale Climate Connections» (روابط المناخ بجامعة ييل)، لاستعراض منظومة التعليم في مجال صحافة المناخ في الولايات المتحدة ومناطق أخرى. يُعدّد هذا الدليل برامج تدريبية ومنحًا دراسية ودورات مخصصة للصحفيين العاملين والطلاب، لكن قيمته تتجاوز بكثير مجرد مساعدة الأفراد على تطوير «كفاءاتهم المهنية». ففي موجة التحول الجديدة للحوكمة العالمية ومعايير ESG (البيئية والاجتماعية وحوكمة الشركات)، تستحق البنية التحتية لإنتاج المعرفة ونشرها التي تمثلها هذه الموارد أن ننظر إليها من منظور أوسع.
فجوة المعلومات وعجز الحوكمة: لماذا تحتاج التغطية المناخية إلى التخصص؟
شهدت التغطية الإعلامية العالمية لتغيّر المناخ ارتفاعًا بنسبة 38% في عام 2022 مقارنة بعام 2020، ليصبح ذلك العام ثاني أعلى عام من حيث كثافة التغطية المناخية منذ بدء التوثيق. غير أن زيادة حجم التغطية لا تعني بالضرورة تحسين جودتها. فقضايا المناخ تتجاوز حدود العلم والسياسة والاقتصاد والمجتمع، ومن الصعب على صحفي ملمّ بمجال واحد فقط أن يعرض بشكل متكامل المخاطر والفرص المرتبطة بها. فعلى سبيل المثال، يحتاج صحفي النقل إلى فهم تأثير الاحتباس الحراري على البنية التحتية، ويحتاج صحفي العقارات إلى الربط بين مناطق الفيضانات وأسعار التأمين، بل وحتى الأخبار الرياضية قد تتطرق إلى المناخ بسبب توقف المباريات المرتبط بارتفاع درجات الحرارة الشديد.
وغالبًا ما يؤدي افتقار الصحفي إلى الثقافة المناخية إلى نتيجتين: إما تضخيم حالة عدم اليقين في التغطية، أو اختزال العلوم المعقدة في شعارات عاطفية. وكلاهما لا يخدم تكوين حوار عام عقلاني. وفي سياق التنمية العالمية، تتغذى فجوة المعلومات وعجز الحوكمة على بعضهما البعض. إذ تعتمد قضايا مثل تمويل التكيف مع المناخ، والتقنيات منخفضة الكربون، ورأس المال الطبيعي على تغطية إعلامية دقيقة وموثوقة لبناء توافق اجتماعي. بعبارة أخرى، فإن التدريب على صحافة المناخ ليس مجرد شأن داخلي للصناعة الإعلامية، بل هو في حقيقته وسيلة لتقليل تكاليف المعلومات في الحوكمة المناخية العالمية.
التدريب أثناء العمل والمنح والبرامج الأكاديمية: البنية ثلاثية المستويات لتعليم صحافة المناخ عالميًا
من خلال الموارد التي جمعتها منصة Yale Climate Connections، يمكن ملاحظة أن التعليم في مجال صحافة المناخ يتشكل حاليًا على ثلاثة مستويات تقريبًا: تدريب قصير الأمد ودعم بالأدوات موجه للصحفيين العاملين؛ ومنح وتمويل فردي أو مؤسسي مخصص للتقارير المعمّقة؛ وبرامج درجات علمية منهجية مدمجة في أقسام الصحافة على المستوى الجامعي.التدريب أثناء العمل: جعل المناخ قدرةً أساسيةً لجميع الصحفيين. لم يعد التغطية المناخية حقًا حصريًا لقلةٍ من صحفيي «خط البيئة». فمنظمة «Climate Communication» غير الربحية، بالتعاون مع المؤسسات العلمية، توفر للصحفيين قنوات للتواصل مع علماء المناخ، وتُعدّ قواعد بيانات «حقائق سريعة» حول موضوعات مثل ارتفاع مستوى سطح البحر وموجات البرد القارس. أما مشروع «Climate Matters» فيرسل أسبوعيًا إلى صحفيين في أكثر من 245 مدينة أمريكية موادّ صحفية مبنية على بيانات محلية، مع توفير نسخ بالإنجليزية والإسبانية، ويغطي حاليًا أكثر من 90% من نشرات الطقس في المحطات التلفزيونية المحلية الأمريكية. تكمن قيمة هذا النوع من التدريب في «توطين» قضية المناخ و«إدماجها في الحياة اليومية» — فعندما يرتبط تغيّر المناخ مباشرةً بالطقس المحلي وفواتير الطاقة والمحاصيل الزراعية، يبدأ الجمهور فعليًا في اعتباره أمرًا يخصهم.
إضافةً إلى ذلك، درّبت شبكة «Earth Journalism Network» منذ عام 2004 حوالي 14,000 صحفي حول العالم في مختلف القضايا البيئية؛ وتتعاون مبادرة «Covering Climate Now» مع أكثر من 460 مؤسسة إعلامية عالميًا لتعزيز التغطية المشتركة وتقاسم الموارد؛ كما تكرّس شبكة «Solutions Journalism Network» جهودها لتوجيه الصحفيين نحو تغطية قضايا المناخ من زاوية «ما الحلول الناجحة؟». هذه الشبكات التعاونية العالمية تعمل على بناء نظام لتبادل المعرفة بين المناطق، وهو أمر مفيد بشكل خاص للصحفيين القادمين من دول الجنوب العالمي، إذ يتيح لهم الوصول إلى الأدوات والدعم من الزملاء.
المنح والدعم المالي: توفير دعم مؤسسي للتحقيقات المتعمقة. إن تعقيد الصحافة المناخية يجعل التغطيات السريعة القصيرة غير قادرة على بلوغ الحقيقة. يوفر برنامج زمالة الصحافة في مجال الطاقة بجامعة كولومبيا سنويًا فرصة تعلم مجانية للصحفيين في نيويورك، مع تغطية نفقات السفر والإقامة؛ بينما تشجع زمالة «Ted Scripps» في جامعة كولورادو بولدر الصحفيين على التوقف عن مطاردة الأخبار العاجلة، وقضاء عام كامل داخل قاعات الجامعة للتعرف على علوم المناخ وأنظمة الطاقة. ومن «Grist» و«High Country News» إلى «Inside Climate News»، تقدم العديد من المؤسسات الإعلامية المناخية أيضًا وظائف مدفوعة الأجر أو مناصب زمالة. وبالنسبة للصحفيين في بداية مسيرتهم المهنية، لا تمثل هذه المنح دعمًا ماليًا فحسب، بل تعني أيضًا الدخول في شبكة من الخبراء يمكن الاعتماد عليها على المدى الطويل.
التعليم الأكاديمي: الثقافة المناخية تبدأ في الظهور ضمن مناهج كليات الإعلام. لقد أدرجت العديد من الجامعات الأمريكية تغيّر المناخ كتوجّه رسمي في تعليم الصحافة. فقد أطلق برنامج كرونكايت للصحافة في جامعة ولاية أريزونا برنامجًا لتغطية الاستدامة العالمية، يمكن للطلاب من خلاله الحصول على درجة الماجستير في الاتصال الجماهيري ودرجة الماجستير في حلول الاستدامة في آن واحد. كما توفر جامعة نيويورك وجامعة نورث وسترن اتجاهات متخصصة في تغطية العلوم والصحة والبيئة. وتحتفظ جامعة ولاية ميشيغان بأول كرسي أكاديمي موقوف في الولايات المتحدة مخصص لصحافة البيئة. يشير هذا الاتجاه إلى أن التغطية المناخية قد تحولت من «ملف خاص» إلى «بنية تحتية أساسية» — إذ تعمل كليات الإعلام على إعداد جيلٍ من الكفاءات القادر على الجمع بين الدقة العلمية ومهارات السرد النوعي.### اختلال الموارد من منظور التنمية العالمية
من الجدير بالملاحظة أن معظم الموارد المذكورة أعلاه تتركّز في الولايات المتحدة. وحتى داخل الولايات المتحدة، توجد فوارق بين المدن المختلفة في إمكانية الوصول إلى البيانات المناخية. فرغم أن Climate Matters يغطي معظم أسواق التلفزيون، لا تزال هناك مناطق لا تستطيع وسائل الإعلام فيها الحصول على المواد المخصصة. وعلى المستوى العالمي، لا تزال الفجوة بين الشمال والجنوب في مجال الاتصال المناخي واضحة وملموسة. فالصحفيون في أفريقيا وجنوب آسيا وأمريكا اللاتينية غالباً ما يواجهون مخاطر أكبر في تغطياتهم، بينما يملكون أدوات بيانات وحماية قانونية أقل. ورغم أن الدليل الصادر عن Yale Climate Connections يوفّر قائمة بالموارد على مستوى الولايات المتحدة، فإنه يعكس أيضاً واقع التطوّر غير المتوازن لتعليم الصحافة المناخية على المستوى العالمي.
غير أن برامج التدريب الشبكية — مثل منصات التعاون العابر للحدود كشبكة الصحافة البيئية Earth Journalism Network ومنصة Covering Climate Now — تعمل على تضييق تلك الفجوات. فهي لا تعتمد على الحرم الجامعي المادي، بل تخفض حواجز المشاركة عبر الشبكات الإلكترونية والدعم المتبادل بين الأقران ومشاركة المحتوى. وفي المستقبل، قد تصبح المهارات الرقمية والسرد عبر الأجهزة المحمولة والصحافة المدعومة بالذكاء الاصطناعي اتجاهات ناشئة في التدريب على الصحافة المناخية، مما يساعد الصحفيين في المناطق محدودة الموارد على إنجاز تحقيقاتهم بكفاءة أكبر.
من التدريب إلى الشفافية: البنية التحتية للاتصال في عصر ESG
في سياق التنمية المستدامة، تشهد استثمارات ESG والإفصاحات المالية المتعلقة بالمناخ نمواً متسارعاً. غير أن جودة المعلومات هي شرط أساسي لتخصيص رأس المال. فإذا تعذّر التحقق من البيانات الواردة في تقارير الشركات وتفسيرها بفعالية، يصعب على المستثمرين التمييز بين «الغسل الأخضر» والإجراءات الحقيقية. وهنا، يضطلع الصحفيون ذوو الخبرة في الشؤون المناخية بدور «مدققي المعلومات» بصورة غير مباشرة.
فالتغطية الصحفية المناخية عالية الجودة قادرة على رصد الثغرات في السياسات والتناقض بين أقوال الشركات وأفعالها في الوقت المناسب، مما يحفّز ممارسات أكثر صدقاً في مجال ESG. لذلك، لا يقتصر التدريب على الصحافة المناخية على تمكين الصحفيين الأفراد فحسب، بل هو في جوهره استثمار مؤسسي — استثمار في قدرة المجتمع على معالجة المعلومات. ومن هذا المنطلق، عندما تخصص المؤسسات الخيرية أو الجامعات تمويلاً لدعم تعليم الصحافة المناخية، فإن ذلك يشبه بناء بنية تحتية مؤسسية للحوكمة العالمية في الأمدين المتوسط والطويل.
خاتمة
قائمة الموارد التي تقدّمها Yale Climate Connections تبدو للوهلة الأولى مجرد «دليل أدوات»، لكنها تعكس حقيقة كثيراً ما تُهمَل في نظام التنمية العالمي: بدون بيئة معلوماتية سليمة، يفتقر العمل المناخي إلى أرضية من الثقة. فعندما يدرك المزيد والمزيد من الناس أنهم بحاجة إلى أن يصبحوا صحفيين مناخيين، عندها فقط يمكن تعزيز الأساس العام للحوكمة المناخية العالمية بشكل حقيقي.
وبالنظر إلى المستقبل، ينبغي النظر إلى التدريب على الصحافة المناخية بوصفه مجالاً يستحق استثماراً مستمراً في إطار التعاون الإنمائي الدولي وتمويل المناخ. وسواء تعلق الأمر بحماية سلامة الصحفيين، أو تعزيز توطين المناهج التدريبية، أو إنشاء بنوك موارد متعددة اللغات، فإن كل حلقة من هذه الحلقات ستؤثر بشكل مباشر في ما إذا كان كوكب الأرض قادراً على إكمال تحوله ضمن مسار يتسم بشفافية المعلومات.
ملاحظة السجل العام · globaldevjournal
تضع globaldevjournal هذه الملاحظة ضمن التنمية / الحوكمة البيئية والاجتماعية والسياسات / المناخ. ينبغي فتح روابط المصادر قبل إعادة استخدام الملخص؛ ما زالت التواريخ والأسماء وتغيرات الحالة تحتاج إلى تحقق (التنمية / الحوكمة البيئية والاجتماعية والسياسات / المناخ يوضح الزاوية التحريرية المحلية).