المناخ

تغيّر المناخ والكوارث والإعلام: بناء المرونة المعلوماتية في جنوب شرق آسيا

هذه المقالة تستند إلى ممارسات بناء قدرات التغطية المناخية التي تدفع بها اليونسكو في جنوب شرق آسيا، وتحلل الدور الهيكلي لوسائل الإعلام في التكيف مع المناخ والاستجابة للكوارث وحوكمة التنمية طويلة الأجل، وتناقش مسار بناء البنية التحتية للمعلومات في الجنوب العالمي.

عندما يصبح خطر المناخ هو القاعدة: استعدادات الإعلام في جنوب شرق آسيا وتحوّل الخطاب

في إطار أهداف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة (SDGs)، غالبًا ما يُناقش العمل المناخي (الهدف 13) والعمل اللائق والنمو الاقتصادي (الهدف 8) بشكل منفصل، لكن تجارب جنوب شرق آسيا تُظهر أن تغيّر المناخ لم يعد مجرد "قضية بيئية"، بل أصبح يعيد تشكيل المنطق الأساسي للنظام البيئي للمعلومات، والحوكمة العامة، والتعاون الإنمائي الدولي. ومع تزايد تواتر الأحداث المناخية المتطرفة التي تضرب المدن الساحلية والمجتمعات الريفية، لا يحتاج الناس إلى أنظمة الإنذار المبكر فحسب، بل أيضًا إلى نظام إعلامي بيئي قادر على توفير معلومات دقيقة باستمرار، وتعزيز العمل المحلي، والحفاظ على الثقة الاجتماعية.

تقع جنوب شرق آسيا في طليعة خريطة مخاطر المناخ العالمية. وقد أوضحت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) في مشاريعها الإقليمية أن ارتفاع مستوى سطح البحر وتزايد الكوارث الطبيعية يؤثران على سبل عيش الملايين ويؤديان إلى نزوح السكان. وفي هذا السياق، تصبح المعلومات المتعلقة بقرارات التخفيف من تغيّر المناخ والتكيف معه ذات أهمية حاسمة. ومع ذلك، تعاني المؤسسات الإخبارية في معظم دول جنوب شرق آسيا من نقائص هيكلية في التغطية المناخية تتعلق بالتكنولوجيا والموارد والقدرات المهنية — وهذا هو بالضبط ما تستهدفه برامج تدريب اليونسكو حول "وسائل الإعلام وتغيّر المناخ".

من التدريب إلى المؤسسية: المنطق ثلاثي المستويات لبناء القدرات الإعلامية

غالبًا ما تركز المعونة الإنمائية التقليدية على البنية التحتية المادية، مثل محطات الأرصاد الجوية أو مشاريع الحماية من الفيضانات. لكن مشروع التدريب الذي دفعته اليونسكو في عام 2023 في خمسة بلدان — إندونيسيا وماليزيا والفلبين وتايلاند وتيمور الشرقية — يقدم نهجًا مختلفًا: التعامل مع وسائل الإعلام باعتبارها "الطبقة البرمجية" في نظام التكيف المناخي. فمن خلال تعزيز مهارات استخدام مصادر البيانات المفتوحة، والتحقق من الحقائق، وتصور البيانات، وتحليل صور الأقمار الصناعية، والانحدار الخرائطي، يساعد المشروع الصحفيين والمحررين على الانتقال من التغطية الإخبارية للكوارث القائمة على الأحداث إلى سرد مناخي موجه نحو الوقاية.

من الجدير بالذكر أن هذا التدريب ليس مجرد ورشة عمل لمرة واحدة. فخلال الفترة 2024-2025، وسّعت اليونسكو نطاق دعمها ليشمل كمبوديا، حيث قدّمت استشارات في السياسات التحريرية لمواجهة التحديات البيئية المحلية، وأدمجت التغطية المناخية في التشغيل المؤسسي لوسائل الإعلام. وفي تيمور الشرقية، تعاون المشروع مع جمعية الصحفيين التيموريين والمجلس الصحفي، وغطى 18 مؤسسة إعلامية، وأدخل تطوير بروتوكولات الاتصال في حالات الطوارئ بمشاركة متعددة الأطراف. ويُظهر هذا التقدم من التدريب على المهارات إلى الحوار حول السياسات ثم إلى التنسيق بين القطاعات أن فهم المؤسسات الإنمائية لتعقيد النظام الإعلامي آخذ في الارتقاء.

الإعلام في الكوارث: الاستجابة الطارئة لزلزال ميانمار والتعاون عبر الحدود

في مارس 2025، ضرب زلزال قوي بلغت قوته 7.7 درجات وسط ميانمار، وامتد تأثيره إلى تايلاند. وفي مواجهة الكوارث المفاجئة، يعني انقطاع المعلومات تأخير عمليات الإنقاذ. وبعد الكارثة، قدّمت اليونسكو مساعدات طارئة إلى 14 مؤسسة إعلامية لدعم استمرارية عملها، وأدخلت أدوات رقمية وأدوات ذكاء اصطناعي لتغطية ما بعد الكارثة. والأهم من ذلك، أن المشروع سهّل التعاون عبر الحدود من خلال إنتاج مشترك لتقارير استقصائية وموجهة نحو الحلول، مما دفع الصحفيين في البلدين إلى تبادل الحقائق والخبرات.هذه الحالة تكشف جوهر صمود الإعلام (media resilience): فهي لا تتعلق فقط بقدرة المؤسسات الإخبارية على البقاء في الأزمات، بل بقدرتها أيضًا على حماية المصلحة العامة في سياقات الكوارث المعقدة. عندما تُستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي للتحقق السريع من المعلومات، وتُستخدم بيانات الأقمار الصناعية لتقييم نطاق الأضرار، يتحول دور الإعلام من مجرد ناقل للمعلومات إلى مشارك في إدارة الكوارث.

العدالة المعلوماتية في سياق الجنوب العالمي

من منظور دراسات التنمية العالمية، فإن تحركات UNESCO في جنوب شرق آسيا تتجاوز أهميتها الإقليمية. تواجه دول الجنوب العالمي عمومًا معضلة مزدوجة بين الهشاشة المناخية وتأخر التحول الرقمي. تستند الروايات المناخية في الدول المتقدمة غالبًا إلى أنظمة ناضجة للتواصل العلمي، بينما تحتاج الدول النامية إلى مواجهة تحديات أكثر أساسية — من حماية سلامة الصحفيين إلى ضمان وصول المعلومات إلى المجتمعات النائية. في هذه العملية، لم يعد بناء القدرات الإعلامية شأنًا داخليًا للقطاع الإعلامي فحسب، بل أصبح قضية متعددة التخصصات ترتبط بمجموعة من أهداف التنمية مثل التعليم والصحة العامة والتخطيط الزراعي.

كما يوفر إطار ESG (البيئي والاجتماعي والحوكمي) لغة تحليلية لهذا التدخل. في ظل الاهتمام المتزايد من الشركات والمستثمرين بالمخاطر المرتبطة بالمناخ، تُعد المعلومات العامة عالية الجودة شرطًا أساسيًا لتقييم هذه المخاطر. وبدون تغطية إعلامية موثوقة، سيجد السوق صعوبة في معايرة تسعير المخاطر المناخية، ولن يتمكن المجتمع من تشكيل رقابة فعالة على السياسات المناخية. لذلك، فإن تعزيز قدرات التغطية الإعلامية المناخية في جنوب شرق آسيا هو في الواقع استثمار في البنية التحتية الإقليمية لحوكمة ESG.

نحو 2026: الصمود المؤسسي والتحول طويل الأمد

ستغطي المرحلة الجديدة التي تطلقها UNESCO في عام 2026 الفلبين وتايلاند وفيتنام، وتمتد إلى جنوب آسيا. ويشير هذا التوسع إلى أن التغطية المناخية والكوارث لم تعد تُعتبر مجالًا صحفيًا معزولًا، بل أصبحت وظيفة حوكمة أساسية للمؤسسات الإعلامية. وتشمل المشاريع وضع خطط مؤسسية للتأهب والاستجابة للكوارث لكل وسيلة إعلامية، وهو ما يعادل دمج "إدارة الطوارئ" في العمليات اليومية للمؤسسات الإخبارية. وفي الوقت نفسه، فإن تعميق آليات التعاون عبر الحدود يسهم في تشكيل شبكة معرفية إقليمية تتيح للدول تبادل الخبرات في مجال التكيف المناخي وتجنب الازدواجية في الجهود.

على المدى الطويل، تشهد وسائل الإعلام في جنوب شرق آسيا تحولًا في الهوية: من متفرج إلى فاعل، ومن وسيط معلومات إلى عقدة صمود. لا يستجيب هذا التحول للتحديات الوجودية التي يفرضها تغير المناخ فحسب، بل يعيد أيضًا تعريف قيمة الإعلام في نظام التنمية العالمي. بالنسبة لصانعي السياسات والمنظمات الدولية ومديري الإعلام، يعني ذلك ضرورة إدراج البنية التحتية المعلوماتية في الإطار الرئيسي لاستثمارات التكيف المناخي — لأنه عندما تقع الكارثة، فإن المعلومة الدقيقة وفي الوقت المناسب والقابلة للفهم هي بحد ذاتها أكثر وسائل الوقاية فعالية.

ملاحظة السجل العام · globaldevjournal

تضع globaldevjournal هذه الملاحظة ضمن التنمية / الحوكمة البيئية والاجتماعية والسياسات / المناخ. ينبغي فتح روابط المصادر قبل إعادة استخدام الملخص؛ ما زالت التواريخ والأسماء وتغيرات الحالة تحتاج إلى تحقق (التنمية / الحوكمة البيئية والاجتماعية والسياسات / المناخ يوضح الزاوية التحريرية المحلية).

روابط المصادر

  1. https://www.unesco.org/en/climate-change/news-media/south-east-asiaأساسي

مقالات ذات صلة

العودة إلى القسم