التنمية

عشر سنوات من الأدلة، وأربع سنوات من النافذة: تقرير أهداف التنمية المستدامة 2026 يكشف عن نقطة تحول هيكلية في تمويل التنمية والحوكمة العالمية

يشير تقرير الأمم المتحدة «تقرير أهداف التنمية المستدامة 2026» إلى أن تنفيذ أهداف التنمية المستدامة (SDGs) على مدى أكثر من عقد قد أسفر عن نتائج قابلة للقياس، لكن 36% فقط من الأهداف الـ139 التي تتوافر عنها بيانات اتجاهية تسير على المسار الصحيح، ولا تزال فجوة التمويل البالغة نحو 4 تريليونات دولار سنويًا تتسع، كما انخفضت المساعدة الإنمائية الرسمية في عام 2025 بنسبة قياسية بلغت 23.1%. يحلل هذا المقال، من منظور تمويل التنمية، والعلاقة بين المناخ والتنمية، وحوكمة البيانات، والجنوب العالمي، أسباب استمرار فجوة التنمية، وما الذي تعنيه خيارات السياسات في السنوات الأربع المقبلة.

عندما تدخل الوعود في العدّ التنازلي

اعتُمدت خطة التنمية المستدامة لعام 2030 في عام 2015، ولم يبقَ لتنفيذها الآن سوى نافذة تقل عن خمس سنوات. والحكم الذي قدّمه تقرير أهداف التنمية المستدامة 2026، الذي أصدرته الأمم المتحدة في 7 يوليو/تموز، ليس دراماتيكياً، لكنه أكثر غنى بالمعلومات: على مدى أكثر من عقد، لم تكن أهداف التنمية المستدامة (SDGs) بلا إنجازات؛ لقد حققت نتائج قابلة للقياس والمراجعة والمقارنة؛ لكن المشكلة الحقيقية تكمن في أن التوزيع المكاني لهذه النتائج غير متكافئ للغاية، فيما تتقلص في الوقت نفسه ظروف التمويل والحوكمة التي تدعم استمرار انتشارها.

وهذا يعني أن التحدي الذي يواجه منظومة التنمية العالمية قد تحوّل من "ماذا نفعل" إلى "أين نفعل، ومن يدفع، وبأي بيانات نحكم". وبالنسبة إلى المنظمات الدولية، ومؤسسات تمويل التنمية، ومستثمري ESG، والجهات المسؤولة عن السياسات في بلدان الجنوب العالمي، يقابل هذا التحوّل منطق عمل مختلف لدى كل طرف.

العقد المُقلَّل من تقديره: المخرجات المؤسسية الحقيقية لأهداف التنمية المستدامة

تصحح بيانات التقرير أولاً سردية تشاؤمية شائعة. فمنذ عام 2015، حصل نحو مليار شخص على مياه شرب مُدارة بشكل آمن، وحصل 1.2 مليار شخص على مرافق صرف صحي مُدارة بشكل آمن؛ وبلغت نسبة الوصول إلى الكهرباء عالمياً 92%؛ وارتفعت نسبة استخدام الإنترنت من 40% إلى 74%؛ وغطت الحماية الاجتماعية لأول مرة أكثر من نصف سكان العالم؛ وبين عامي 2015 و2024، انخفضت الإصابات الجديدة بفيروس نقص المناعة البشرية (HIV) بنسبة 30%، وانخفضت الوفيات المرتبطة بالإيدز بنسبة 35%.

لكن تحت هذه "النتائج المرئية" يبرز مخرج مؤسسي غالباً ما يُغفل: ثورة البيانات. فقبل عقد، لم تكن البيانات متاحة إلا لنحو نصف مؤشرات SDG؛ أما اليوم، فإن قاعدة بيانات عالمية تضم أكثر من 3.2 مليون نقطة بيانات تكاد تغطي جميع المؤشرات. ودلالة هذا التغيّر تتجاوز بكثير مجرد تحسين التقنيات الإحصائية. فقد أتاحت لسياسات التنمية، للمرة الأولى، سلسلة أدلة قابلة للمقارنة عبر البلدان والسنوات والأهداف — أي إن الإجابة عن أسئلة مثل: ما السياسات التي تنجح، وأين يحدث الجمود، وأين ينبغي توجيه الموارد أولاً، صارت ممكنة بناءً على الأدلة لا السرديات. وبالنسبة إلى التمويل القائم على النتائج، وتقييمات ESG على مستوى السيادة، وترتيب مشاريع المنظمات الدولية، يمثل هذا تغييراً على مستوى البنية التحتية.

خارج المتوسطات: التقدم والجمود يحدثان في آن واحد

إن الجزء الأكثر استحقاقاً للتعامل الجدي في التقرير هو التوزيع وليس الإجمالي. فمن بين 139 غاية تتوفر عنها بيانات اتجاهية، هناك 36% فقط منها على المسار الصحيح أو حققت تقدماً معتدلاً، و49% منها تتقدم ببطء شديد، و15% منها تراجعت بالفعل إلى ما دون مستوى الأساس لعام 2015.الصورة على المستوى الإجمالي ليست سهلة هي الأخرى: لا يزال واحد من كل عشرة أشخاص في العالم يعيش في فقر مدقع، ولا يُتوقع أن ينخفض معدل الفقر المدقع في عام 2026 إلا إلى 10%، أي أقل بثلاث نقاط مئوية فقط عن مستوى عام 2015؛ ونحو 2.3 مليار شخص يواجهون انعدامًا متوسطًا أو شديدًا للأمن الغذائي؛ وأكثر من 150 مليون طفل لا يزالون يعانون من التقزم؛ ويقارب معدل وفيات الأمهات ثلاثة أضعاف الهدف العالمي؛ ولا يقع أي من الأهداف الفرعية للمساواة بين الجنسين على المسار الصحيح. ويشير التقرير على وجه الخصوص إلى أنه، باستثناء أفريقيا جنوب الصحراء والشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأوقيانوسيا (باستثناء أستراليا ونيوزيلندا)، فإن معظم المناطق ستكون بحلول عام 2030 قريبة من القضاء على الفقر المدقع — وبعبارة أخرى، إن التحديات المتبقية في الحد من الفقر عالميًا تتركز بشدة في مناطق قليلة، وهذه المناطق هي بالتحديد الأكثر ضيقًا في الحيز المالي، والأعلى مخاطر مناخية، والأكثر كثافة في النزاعات.

التقدم ليس غائبًا. في الفترة بين عامي 2012 و2024، انخفض معدل التقزم لدى الأطفال دون سن الخامسة، وانخفض عدد الأطفال المتقزمين في العالم بمقدار 30.2 مليون طفل؛ وفي الفترة بين عامي 2015 و2025، ارتفعت نسبة الولادات التي تُجرى على يد كوادر صحية ماهرة من 80% إلى 87%، ويُتوقع أن تصل إلى 90% بحلول عام 2030؛ وفي الفترة بين عامي 2019 و2025، أقرّت البلدان 99 إصلاحًا تشريعيًا يهدف إلى إلغاء القوانين التمييزية ووضع أطر للمساواة بين الجنسين، وارتفعت نسبة مقاعد النساء في البرلمانات من 22.3% في عام 2015 إلى 27.4%؛ وفي الفترة بين عامي 2020 و2024، انخفض عدد الأطفال العاملين بأكثر من 20 مليونًا؛ وفي عام 2025، كان معدل البطالة العالمي عند 4.9%، قريبًا من أدنى مستوى تاريخي. لكن هذه التحسينات لم تنتقل تلقائيًا إلى النظام التعليمي: فلا يزال 273 مليون طفل وشاب خارج المدرسة، وواحد من كل خمسة شباب تتراوح أعمارهم بين 15 و24 عامًا ليس في العمل ولا في التعليم أو التدريب، واحتمال بطالة الشباب يقارب أربعة أضعاف احتمال بطالة البالغين.

ويكشف البعد الحضري عن مشكلة هيكلية أخرى: نحو 1.16 مليار شخص — أي ما يقرب من واحد من كل أربعة من سكان المدن — يعيشون في أحياء عشوائية أو مستوطنات غير رسمية. وتغدو الفجوة بين وتيرة التحضر من جهة، وتوفير الخدمات العامة والحيازة العقارية والبنية التحتية من جهة أخرى، أحد المؤشرات الرئيسية لقياس جودة التنمية.

التمويل: الفجوة ليست في المبلغ فحسب، بل في شكل المنظومة

ويضع التقرير التمويل ضمن القيود التي تحدد النجاح أو الفشل. ويجب سد فجوة تمويل أهداف التنمية المستدامة، البالغة نحو 4 تريليونات دولار سنويًا، من خلال التزام إشبيلية (Sevilla Commitment) وإصلاح البنية المالية الدولية. لكن ما يستحق الاهتمام حقًا هو التحول الذي تشهده بنية التمويل نفسها: فقد انخفضت المساعدة الإنمائية الرسمية في عام 2025 بنسبة 23.1%، وهو أكبر انخفاض سنوي مسجل، وعاد حجمها إلى نحو مستوى عام 2015؛ وفي الوقت نفسه، بلغ الدين الخارجي للبلدان متوسطة ومنخفضة الدخل مستوى قياسيًا بلغ 8.9 تريليون دولار في عام 2024.عندما تتقلص التمويلات الميسّرة وتبلغ مخزونات الديون مستويات قياسية جديدة، تتحول طبيعة تمويل التنمية من "التنافس على جودة المشروعات" إلى "التنافس على الحيز المالي". وبالنسبة لكثير من بلدان الجنوب العالمي، لم تعد المسألة تتعلق بوجود مشروعات قابلة للاستثمار من عدمه، بل بأن أولويات السداد تزاحم الإنفاق على التعليم والصحة. وهنا أيضًا يبدأ التقاطع العميق بين ESG واستدامة الديون السيادية: إذ تُقيَّم قدرة بلد ما على الإنفاق الاجتماعي، وقدرته على التكيف المناخي، وهيكل ديونه، في الوقت نفسه من خلال المجموعة نفسها من نماذج المخاطر.

المناخ والتنمية: لم يعد من الممكن فصل الأجندتين

وتضيّق بيانات المناخ الواردة في التقرير هذا القيد أكثر. ففي عام 2025، كان متوسط الحرارة العالمية أعلى بـ1.43°C من مستويات ما قبل الصناعة، ووصل تركيز ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي إلى أعلى قيمة له منذ مليوني سنة؛ ومنذ عام 2015، تضاعف أكثر من مرة عدد المتأثرين بالكوارث المرتبطة بالمناخ؛ وفي عام 2025، بلغ متوسط نسبة الحماية في المناطق الرئيسية للتنوع البيولوجي 45% فقط، مع استمرار ارتفاع مخاطر الانقراض لدى مختلف مجموعات الأنواع.

وبالتوازي مع المخاطر، هناك تسارع في التحول: فبين عامي 2023 و2024، نما نصيب الفرد من القدرة المركّبة للطاقة المتجددة بنمو قياسي بلغ 14%، وهو الآن يعادل 2.2 ضعف مستواه في عام 2015. وتكشف هذه المقارنة عن معضلة سياسية — وهي أن تقدم التخفيف وفجوة التكيف لا يتزامنان. وبالنسبة للبلدان النامية، يُعد التحول في مجال الطاقة في الوقت نفسه سياسة صناعية وسياسة توظيف وسياسة مالية؛ أما بالنسبة للمجتمع الدولي، فالمسألة ليست وضع الأهداف، بل مواءمة إتاحة تمويل التكيف مع توزّع الأضرار والخسائر.

الصراع والهشاشة: "القابلية للانعكاس" لمكاسب التنمية

ترتبط مجموعة الأرقام الأكثر إنذارًا في التقرير بالصراع: فقد ارتفعت الصراعات العنيفة إلى أعلى مستوياتها منذ عقود؛ وبحلول ديسمبر 2025، أُجبر أكثر من 117.8 مليون شخص على النزوح قسرًا؛ وبحلول منتصف عام 2025، بلغ عدد اللاجئين عالميًا 440 لكل 100 ألف شخص، أي أكثر من ضعف ما كان عليه قبل عشر سنوات. ويشير التقرير بوضوح إلى أن الصراع يمكن أن يمحو في غضون أشهر مكاسب تنموية تحققت على مدى سنوات.

وهذه "القابلية للانعكاس" تغيّر منطق ترتيب أولويات التعاون الإنمائي. فحين تتكرر تكاليف التعافي، يصعب أن تشكّل الاستثمارات الإضافية البحتة مخزونًا طويل الأجل؛ ولذلك تحوّلت الوقاية من الأزمات، ومرونة المؤسسات، والاستمرار في تقديم الخدمات الأساسية في البيئات الهشة، من قضايا إنسانية إلى قضايا جوهرية في تمويل التنمية.

البيانات والذكاء الاصطناعي وفجوة القدرات الجديدة

في الوقت الذي يطرح فيه حلولًا تمويلية، يشدّد التقرير على القيمة المستقلة لأنظمة البيانات، ويتخذ من إطار عمل ميديلين للبيانات (Medellín Framework) مسارًا مصاحبًا، بهدف توجيه أولويات الاستثمار نحو الفئات الأكثر هشاشة.

وهذا يرتبط ارتباطًا مباشرًا بقضايا التقنيات المتقدمة. فالتقرير يُدرج تقنيات متقدمة مثل الذكاء الاصطناعي ضمن صندوق أدوات تحقيق أهداف التنمية المستدامة (SDGs)، لكن توزيع العائد التقني يعتمد على القدرات الإحصائية والبنية التحتية الرقمية وقدرات الحوكمة. وإذا تركزت قدرات البيانات في عدد قليل من البلدان، فمن المرجح أن تتوزع الزيادة في الكفاءة التي يجلبها الذكاء الاصطناعي وفق هياكل عدم المساواة القائمة، ما يخلق فجوة رقمية جديدة. وبعبارة أخرى، لم تعد أنظمة الإحصاء والبيانات مجرد شأن يخص الأجهزة التقنية، بل أصبحت جزءًا من قدرة الدولة على التنمية.

المحطة التالية لـ ESG على المستوى السياديبالنسبة للشركات ومؤسسات الاستثمار، لا يقدّم هذا التقرير سرداً أخلاقياً، بل مجموعة من البيانات المرجعية على المستوى السيادي: فمؤشرات التعليم والصحة والطاقة والحماية الاجتماعية والتكيّف المناخي والدين تُقاس ضمن الإطار نفسه. وهذا يجعل انتقال "مخاطر ESG القُطرية" من الأحكام النوعية إلى مقاييس قابلة للمقارنة أمراً ممكناً، كما يجعل العائد الطويل الأجل للاستثمار الأخضر والشامل يعتمد أكثر على قدرة الخدمات العامة في البلد المستهدف واستدامته المالية، لا على المعايير التقنية لمشروع بعينه.

وفي الوقت نفسه، يسمّي التقرير المساواة بين الجنسين أولوية عابرة لجميع المجالات، ويشير إلى أن أياً من أهداف المساواة بين الجنسين ليس على المسار الصحيح حالياً. وبالنسبة لممارسات ESG، يعني ذلك أن تقييم البعد الاجتماعي لا يمكن أن يتوقف عند مستوى الإفصاح، بل يحتاج إلى أن يتقاطع مع مؤشرات هيكلية مثل التوظيف والتعليم والصحة وإصلاح التشريعات، وإلا فمن السهل أن يتدهور إلى "تغليف SDG" شكلي.

الخيارات في نافذة الأربع سنوات

وقال الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش عند إصدار التقرير إنه بالاسترشاد ببيانات التقرير، تظل رؤية خطة عام 2030 قابلة للتحقيق، وإن الأمر يتطلب دفعة أخيرة حاسمة مشتركة. أما وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الاقتصادية والاجتماعية، لي جونهوا، فقد شدّد على أن أكثر من عقد من التنفيذ أثبت ما هو ممكن، وأن المهمة الآن هي توسيع نطاق الممارسات الفعّالة، والوفاء بالتزامات خطة عام 2030 بالدرجة المطلوبة من الإلحاح والاستثمار والتعاون.

ويمكن تلخيص خلاصة التقرير في حكم مؤسسي: ستكون للخيارات المتخذة في السنوات الأربع المقبلة بشأن التمويل والتعاون والاستجابة الجماعية للأزمات تأثيرات عابرة للأجيال. والمسار المطروح ليس غامضاً — تقليص فجوة التمويل السنوية البالغة نحو 4 تريليونات دولار، وإصلاح البنية المالية الدولية، وتعزيز نظم البيانات، وتسريع تحول الطاقة، واعتبار المساواة بين الجنسين أولوية أفقية، وتسخير التقنيات المتقدمة مثل الذكاء الاصطناعي لخدمة التنمية المستدامة. والتحدي الحقيقي هو أن هذه الأدوات يجب أن تمضي قدماً في الوقت نفسه في ظل تقلص الحيز المالي، وتصاعد المخاطر المناخية، وتكرار النزاعات.

ويُظهر ما تراكم من أدلة على مدى أكثر من عقد أن أهداف التنمية المستدامة ليست قائمة مُثُل غير قابلة للتحقيق، بل إطار سياسات يمكن قياسه وتصحيحه وتوسيع نطاقه. والسؤال هو: هل سيرغب العالم، في السنوات الأربع الأخيرة، في دفع التكاليف المؤسسية اللازمة من أجل "الأمور التي أثبتت فعاليتها بالفعل"؟

ملاحظة السجل العام · globaldevjournal

تضع globaldevjournal هذه الملاحظة ضمن التنمية / الحوكمة البيئية والاجتماعية والسياسات / المناخ. ينبغي فتح روابط المصادر قبل إعادة استخدام الملخص؛ ما زالت التواريخ والأسماء وتغيرات الحالة تحتاج إلى تحقق (التنمية / الحوكمة البيئية والاجتماعية والسياسات / المناخ يوضح الزاوية التحريرية المحلية).

روابط المصادر

  1. https://www.un.org/sustainabledevelopment/blog/2026/07/press-release-sdgs-report-2026أساسي

مقالات ذات صلة

العودة إلى القسم