التنمية

مفارقة التنمية الأفريقية: تحديات هيكلية تحت مظلة النمو والمسافة البعيدة عن أهداف التنمية المستدامة

كشف تقرير حديث للبنك الأفريقي للتنمية أنه على الرغم من التقدم المحرز في مجالات الصحة والتعليم والمساواة بين الجنسين، فإن استمرار الفقر وانعدام الأمن الغذائي والصدمات المناخية يعرقل مسار أهداف التنمية المستدامة في أفريقيا، مما يستدعي إعادة معايرة منطق تمويل التنمية العالمي وآليات الحوكمة.

مفارقة التنمية في أفريقيا: تحديات هيكلية تحت واجهة النمو وبُعد شاسع عن أهداف التنمية المستدامة

عندما يتجه المجتمع الإنمائي الدولي بنظره نحو أفريقيا، غالبًا ما يتأرجح السرد السائد بين التفاؤل والتشاؤم. يوفّر التقرير الأخير للبنك الأفريقي للتنمية (AfDB) حول "مؤشرات النوع الاجتماعي والفقر والبيئة وتقدّم الدول الأفريقية نحو أهداف التنمية المستدامة" إحداثيات بيانات أكثر عمقًا لهذه المناقشة: فقد خطت أفريقيا بالفعل خطوات ثابتة في مجال الصحة العامة، وتعميم التعليم، والمشاركة السياسية للمرأة، لكن الفقر المدقع المستمر، وانعدام الأمن الغذائي، والهشاشة المناخية، تعمل على جرّ مسار أهداف التنمية المستدامة (SDGs) في القارة بأكملها إلى منطقة تتسم بعدم اليقين.

هذا التقرير، الذي يغطي 54 دولة أفريقية ويمتد عبر جميع مؤشرات أهداف التنمية المستدامة السبعة عشر، ليس مجرد تجميع إحصائي بسيط. بل هو أقرب إلى مرآة للنظام الإنمائي العالمي، تعكس الوضع الحقيقي لأفريقيا خلال العقد الماضي في خضم تحولها الهيكلي: التقدّم حقيقي ولكنه غير متكافئ؛ والنمو جارٍ ولكن جودته موضع شك؛ والمساعدات الدولية تتدفق باستمرار، لكن كفاءة تحويلها لا تزال محدودة.

الفقر والأمن الغذائي: أكبر شقوق أجندة التنمية الأفريقية

أكثر الأرقام تأثيرًا في التقرير هي عناد الفقر. ففي جمهورية الكونغو الديمقراطية، يعيش 85.3% من السكان تحت خط الفقر الدولي، وفي موزمبيق 81.4%، وجنوب السودان 76.5%، وملاوي 75.4%، وبوروندي 74.2% — هذه الأرقام تذكّرنا بأنه حتى خلال العقد الماضي الذي شهد توسعًا اقتصاديًا عالميًا مستمرًا، لم تشهد مشكلة الفقر في بعض الدول الأفريقية أي تراجع جوهري تقريبًا. والأكثر استحقاقًا للانتباه هو أن الفقر لا يقتصر على حالة البطالة فقط. فبيانات عام 2023 تُظهر أن 37.2% من الشباب العاملين و32% من البالغين العاملين في أفريقيا ما زالوا يعيشون تحت خط الفقر الدولي. هذه الظاهرة تهزّ بعمق الافتراض الخطي في اقتصاديات التنمية التقليدية القائل بأن "النمو يعني الحد من الفقر": فالنمو الاقتصادي يحدث، لكنه لا يخلق عددًا كافيًا من فرص العمل المنتجة، ولا يشكّل آلية نمو للأجور تتسم بالشمولية.

وبالتشابك الوثيق مع الفقر، تبرز أزمة الأمن الغذائي. فقد ارتفعت نسبة الأشخاص الذين يعانون من سوء التغذية في أفريقيا من 15.9% في عام 2015 إلى 18.7% في عام 2023، حيث تشكّل الصدمات المناخية والنزاعات الإقليمية وتقلبات أسعار الغذاء العالمية معًا ضغوطًا ثلاثية. وتواصل دول مثل الصومال ومدغشقر وجمهورية الكونغو الديمقراطية وزامبيا وكينيا حالة انعدام الأمن الغذائي الحاد. وعلى الرغم من أن المساعدات الإنمائية الدولية للزراعة ارتفعت إلى أكثر من 8 مليارات دولار سنويًا، إلا أن التقرير يوضح بوضوح أن حجم الإنفاق ليس العائق الوحيد. فعدم كفاية البنية التحتية للري، وبطء نشر الزراعة الذكية مناخيًا، وضعف شبكات النقل والتخزين الريفية، وتفتت سلاسل القيمة الزراعية، لا تزال جميعها تعيق تحوّل الزراعة الأفريقية من نمط "الكفاف" إلى نمط "الإنتاج". وإذا لم يتحقق اختراق في هذا المجال، فلن تجد أفريقيا صعوبة في الوفاء بالهدف الثاني من أهداف التنمية المستدامة (القضاء على الجوع) فحسب، بل سيتآكل ذلك أيضًا بشكل متسلسل ليطال أهدافًا متعددة مثل الصحة والتعليم والمساواة بين الجنسين وحتى الاستقرار السياسي.

التقدّم في مؤشرات التنمية البشرية و"عجز الجودة"التقرير لا يقتصر على بيانات مثيرة للقلق. ففي مجال الصحة، انخفض معدل وفيات الأطفال دون سن الخامسة في أفريقيا من 77 حالة لكل ألف ولادة حية في عام 2015 إلى 65 حالة في عام 2024، كما انخفض معدل وفيات الأمهات من 524 حالة لكل مائة ألف ولادة حية إلى 395 حالة، وهو بلا شك تقدم مهم في مجال التنمية الإنسانية. ومع ذلك، لا تزال معدلات وفيات الأمهات مرتفعة في نيجيريا وتشاد وجنوب السودان، ولا تزال فجوة الاستثمار في النظم الصحية كبيرة. ولا يزال الملاريا يلقي بظلاله الطويلة على خارطة الصحة العامة في أفريقيا، مذكّرًا المجتمع الدولي بأن خطر الأمراض المعدية لم يبتعد حقًا.

أما في مجال التعليم، فإن تحسين معدلات الالتحاق بالمدارس يعد إنجازًا لا جدال فيه، لكن التقرير يشير بحذر إلى أن جودة التعلّم هي نقطة الضعف الحقيقية. فالنقص في المعلمين المؤهلين وتدني مهارات القراءة والكتابة والحساب الأساسية يؤدي إلى فجوة واضحة بين "الفرص التعليمية" و"المخرجات التعليمية". ومن الجدير بالملاحظة أن دعم المنح الدراسية ضمن المساعدة الإنمائية الرسمية ارتفع من 224.6 مليون دولار في عام 2015 إلى 426 مليون دولار في عام 2023، أي ما يقرب من الضعف — وهذا التوجه في التمويل يستحق الإشادة، لكن المستقبل يتطلب مزيدًا من التركيز على تدريب المعلمين وأدوات التعلّم الرقمية وتنمية المهارات المهنية، وإلا فإن التوسع التعليمي لن ينتج سوى فئات جديدة "ذات شهادات بلا قدرات".

إن التقدم في المساواة بين الجنسين يمثل كذلك نموذجًا دالًا. فقد ارتفعت نسبة تمثيل النساء الأفريقيات في البرلمانات من 23% في عام 2015 إلى 25.8% في عام 2025، وتُعد رواندا نموذجًا عالميًا بنسبة 63.8% من النائبات. ومع ذلك، لا تزال الآفات الاجتماعية مثل زواج الأطفال وتشويه الأعضاء التناسلية الأنثوية منتشرة على نطاق واسع في العديد من البلدان، وتكشف الفجوة بين التمكين القانوني والتدخل المجتمعي عن الفارق الزمني بين التحول المؤسسي الرسمي وتحول المفاهيم الاجتماعية.

حوكمة البيانات وتمويل التنمية: منطق جديد للتعاون العالمي

ما يستحق حقًا اهتمام المجتمع الدولي للتنمية في هذا التقرير ليس فقط وضعه الراهن في أفريقيا، بل أيضًا تحول نهج الحوكمة الذي يعكسه. فقد بُني التقرير على دمج بيانات المكاتب الإحصائية الوطنية ومنظمات دولية مثل الأمم المتحدة ومنظمة الصحة العالمية واليونيسف واليونسكو ومنظمة الأغذية والزراعة وصندوق الأمم المتحدة للسكان، ويشكل هذا التعاون البياني عبر المؤسسات ممارسة مصغرة لحوكمة التنمية العالمية. وبالنسبة للحكومات الأفريقية، تعني البيانات الموثوقة تخصيصًا أكثر دقة للموارد العامة — سواء كانت الأموال موجهة إلى الصحة أو التعليم أو الزراعة أو البنية التحتية، فلا بد من تحديد الأولويات على أساس الأدلة.

أما بالنسبة لشركاء التنمية الدوليين، فيقدم التقرير إطارًا لإدارة النتائج أكثر قابلية للتطبيق. فالمنطق التقليدي للمساعدات الموجهة نحو "المدخلات" آخذ في التحول نحو تعاون قائم على النتائج موجه نحو "المخرجات". ويؤكد التقرير أن مؤسسات التنمية ينبغي أن تصمم مشاريع تمويل قائمة على النتائج، وترصد التقدم بشكل أكثر دقة، وتدعم إصلاحات الحوكمة وإصلاح تقديم الخدمات العامة وبناء القدرة على التكيف مع المناخ. وهذا يتماشى في الواقع مع أجندة "تمويل التنمية الفعال" التي تشهد زخمًا متزايدًا في مجال تمويل التنمية العالمية في السنوات الأخيرة: فمجرد زيادة حجم المساعدات لا يضمن فعالية التنمية، بل إن آليات توزيع الأموال وجودة المؤسسات في البلد المضيف ودرجة التعاون بين أصحاب المصلحة هي في الغالب أكثر تحديدًا للأثر الطويل الأجل من إجمالي التمويل.

القطاع الخاص ومنطق النمو في مستقبل أفريقيافي هذه الخطة التنموية الكبرى، حظي القطاع الخاص بمكانة بارزة. ويشير التقرير بوضوح إلى وجود فجوات استثمارية كبيرة في مجالات الرعاية الصحية والطاقة النظيفة والبنية التحتية الرقمية والزراعة وإدارة المياه والتعليم، وتتحول هذه الفجوات إلى فرص تجارية ناشئة. وتُعتبر الشراكات بين القطاعين العام والخاص (PPP)، والتمويل المختلط (blended finance)، والاستثمار المؤثر (impact investing) جسورًا تربط الأهداف العامة بآليات السوق. وهذا ليس مجرد ابتكار في أدوات التمويل، بل هو تحول في طريقة التفكير: لم يعد التنمية شأنًا عامًا تتحمله الحكومات أو وكالات الإغاثة وحدها، بل أصبح عملية خلق قيمة طويلة الأجل تتطلب مشاركة رأس المال، وتقودها الابتكار، وتتميز بعوائد قابلة للقياس.

غير أن هذا التحول لا يخلو من المخاطر. ففي غياب إطار تنظيمي متكامل، وإجراءات مشتريات شفافة، وآليات عادلة لتنفيذ العقود، قد يؤدي دخول رأس المال الخاص إلى مجالات الخدمات العامة إلى إثارة أشكال جديدة من عدم المساواة. لذلك، ربما تكون الرسالة العميقة للتقرير هي أن التنمية طويلة الأجل في أفريقيا تعتمد جوهريًا على المؤسسات ورأس المال البشري. فالنمو الاقتصادي يحتاج إلى إعادة تعريفه على أنه "نمو شامل"، لا يقتصر على السعي لارتفاع أرقام الناتج المحلي الإجمالي، بل يهتم أيضًا بجودة الوظائف، وتوزيع الدخل، والحراك الاجتماعي، والاستدامة البيئية.

ملاحظة السجل العام · globaldevjournal

تضع globaldevjournal هذه الملاحظة ضمن التنمية / الحوكمة البيئية والاجتماعية والسياسات / المناخ. ينبغي فتح روابط المصادر قبل إعادة استخدام الملخص؛ ما زالت التواريخ والأسماء وتغيرات الحالة تحتاج إلى تحقق (التنمية / الحوكمة البيئية والاجتماعية والسياسات / المناخ يوضح الزاوية التحريرية المحلية).

روابط المصادر

  1. https://www.devdiscourse.com/article/other/3952708-afdb-report-warns-poverty-and-food-insecurity-could-delay-africas-sustainable-development-goalsأساسي

مقالات ذات صلة

العودة إلى القسم