التنمية

الإطار الجديد لحوكمة الفقر الذي طرحته ليبيريا في بكين: من عقلية المساعدة إلى الاستثمار التنموي المنهجي

دعا وزير الزراعة الليبيري في بكين إلى تحويل الحوكمة العالمية لمكافحة الفقر من المساعدات قصيرة الأجل إلى الاستثمارات طويلة الأجل، مما يعكس المطالب الجديدة للجنوب العالمي بتمويل التنمية، وأنظمة مرنة، وتحول زراعي، ونتائج قابلة للقياس.

إطار لبوخارست الجديد لإدارة الفقر الذي طرحته ليبيريا في بكين: من عقلية المساعدات إلى الاستثمار التنموي المنهجي

عندما تدعو دولة من غرب أفريقيا علنًا إلى «تحول جذري» في المنتدى العالمي للحد من الفقر، فإن ما يستحق الانتباه ليس الشعار بحد ذاته فحسب، بل الواقع التنموي العالمي الذي يشير إليه: فالنموذج التقليدي للحد من الفقر، الذي يتسم بالمساعدات قصيرة الأجل وتفتت المشاريع والتسليم الجزئي، بات يواجه صعوبة متزايدة في التصدي للتحديات المعقدة المتراكبة الناتجة عن الصدمات المناخية وضغوط الديون ونقص فرص العمل وعدم التوازن الإقليمي.

في المنتدى العالمي للحد من الفقر والتنمية لعام 2026 الذي عُقد في بكين، طرح وزير الزراعة الليبيري J. Alexander Nuetah أن المجتمع الدولي يحتاج إلى الانتقال من «المشاريع قصيرة الأجل» إلى «أنظمة مرنة»، ومن «الاعتماد على المساعدات» إلى «الاستثمار الإنتاجي»، ومن «المتوسطات الوطنية» إلى تصميم سياسات يركز بشكل أكبر على الفئات الأشد هشاشة. ويبدو هذا الطرح بسيطًا في ظاهره، لكنه يمس التناقض الجوهري في منظومة التنمية العالمية الراهنة: فالفقر لم ينخفض تلقائيًا بسبب توافق الأهداف، بل أعادت الصدمات المتكررة تشكيله باستمرار في هذا العصر.

لماذا بات الحد من الفقر يشبه أكثر فأكثر سباقًا في «القدرة النظامية»؟

إحدى الإشارات المهمة التي خرج بها المنتدى هي أن أجندة الحد من الفقر تنتقل من سؤال «هل وصلت الأموال؟» إلى سؤال «هل المؤسسات والأنظمة متينة بما يكفي؟». ويرتبط ذلك ارتباطًا وثيقًا بتغيرات الخبرة في التعاون الإنمائي الدولي خلال العقدين الماضيين. فقد نجحت العديد من الدول، بدعم من المساعدات القائمة على المشاريع، في تحسين الخدمات الأساسية، لكن ما إن تقع صدمة من صراعات أو كوارث أو تقلبات أسعار أو انكماش مالي حتى تتراجع تلك الإنجازات بسهولة. ولم يعد الفقر مجرد مشكلة نقص الدخل، بل أصبح نتيجة لهشاشة مشتركة تطال الطاقة والنقل والزراعة والتعليم والصحة والبنية التحتية الرقمية.

وأكد الجانب الليبيري على سلاسل القيمة الزراعية والبنية التحتية والمشاريع التي تقودها النساء وتشغيل الشباب، وهذا ليس مجرد نهج قطاعي منفصل، بل تفكير تنموي منظومي نموذجي. فإذا لم تتوفر للزراعة الطرق والتخزين والتمويل والربط بالأسواق، فلن يسهل تحويلها إلى نمو في الدخل؛ وإذا لم يتمكن الشباب من دخول قطاعات اقتصادية ترفع الإنتاجية، فسيبقى الحد من الفقر حبيسًا للمستوى الإحصائي؛ وإذا لم تحصل الشركات التي تقودها النساء على التمويل وتصل إلى الأسواق، فسيصعب أن تتحقق التنمية الشاملة على أرض الواقع.

لماذا تشدد دول الجنوب العالمي أكثر فأكثر على «تنمية طويلة الأجل قابلة للتمويل»؟

يعكس خطاب ليبيريا أيضًا الوضع المشترك لدول الجنوب العالمي: فالتطلعات التنموية لم تتراجع، لكن الموارد المتاحة تتعرض لضغط متزايد. فقد أدت تغيرات المناخ والصراعات وعدم المساواة إلى تآكل المكاسب القائمة، بينما قلص عبء الديون مساحة الاستثمار العام. وفي هذا السياق، لم يعد الاعتماد على المساعدات الخارجية وحده كافيًا لدعم التحول الطويل الأجل، بل تحتاج الدول أكثر إلى نماذج تنموية قادرة على جذب رأس المال، ورفع الإنتاجية، وتكوين قدرة ذاتية التعزيز.

ولهذا السبب أيضًا أصبحت «آليات التمويل المبتكرة» أحد الموضوعات المهمة في هذا المنتدى.ولهذا السبب أيضًا أصبحت "آليات التمويل الابتكارية" إحدى القضايا المهمة في هذا المنتدى. وبالنسبة إلى البلدان منخفضة الدخل والهشّة، فإن التمويل ليس مجرد مسألة مصدر للأموال، بل هو أيضًا مسألة مسار تنموي. فإذا ظلت الأموال محصورة في مستوى المشاريع قصيرة الأجل، منخفضة التنسيق، وصعبة التوسّع، فمن الصعب جدًا أن تُنشئ تأثيرًا ترابطيًا بين البنية التحتية والنظم الزراعية والخدمات العامة وخلق فرص العمل. وعلى العكس، إذا كان التمويل قادرًا على دعم الريّ والتخزين واللوجستيات والخدمات الرقمية والائتمان للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة، فقد تتحول جهود الحد من الفقر إلى آلية نمو أكثر استقرارًا.

منطق ESG ينتقل من "الامتثال" إلى "بنية تحتية للتنمية"

من منظور ESG، يتجاوز هذا النقاش منطق التبرعات على طريقة المسؤولية الاجتماعية للشركات. فاليوم يولي ESG اهتمامًا متزايدًا بمرونة سلاسل الإمداد، والإدماج الاجتماعي، والتكيف مع المناخ، وجودة الحوكمة على المدى الطويل. وبالنسبة إلى المستثمرين، فإن المناطق التي ترتفع فيها معدلات الفقر ليست "أسواقًا هامشية"، بل هي خطوط أمامية لاختبار القدرة على إدارة المخاطر طويلة الأجل: فالأمن الغذائي، وضغط الموارد المائية، والظواهر الجوية المتطرفة، وهشاشة التوظيف، ونقص الخدمات العامة، كلها عوامل تؤثر في الاستدامة التجارية.

كما أن تأكيد ليبيريا على الالتزامات "القابلة للقياس، والقابلة للتمويل، والقابلة للتنفيذ" ينسجم أيضًا مع أكثر ما يهتم به رأس المال ESG — إذ ينبغي أن تكون النتائج قابلة للتحقق، والآليات قابلة للتتبع، والمسؤوليات قابلة للتحديد. وإذا لم تتحول أهداف الحد من الفقر إلى أداء ملموس في البنية التحتية، وإنتاجية الزراعة، وجودة الوظائف، ونسب تغطية الفئات الهشة، فإن التمويل العام أو الاستثمار المؤثر سيظل من الصعب أن يكوّنا توقعات طويلة الأجل موثوقة.

التحول الزراعي: نقطة التقاء الحد من الفقر والتكيف مع المناخ

إن وضع ليبيريا للتحول الزراعي الشامل في صميم استراتيجية الدولة للحد من الفقر اختيارٌ واقعي. فبالنسبة إلى كثير من بلدان أفريقيا جنوب الصحراء، لا تزال الزراعة القطاع الأساسي للتوظيف الريفي وتوفير الغذاء ودخل الأسر، وهي أيضًا القطاع الأكثر تعرضًا للمخاطر المناخية. وإذا غابت القدرة على مواجهة الجفاف، والري، وتحسين البذور، واللوجستيات، ودعم السوق، فإن تغير المناخ سيواصل تضخيم الهشاشة.

لذلك، ليست الزراعة مجرد أحد "قطاعات التنمية"، بل هي محور يربط بين الحد من الفقر، والأمن الغذائي، والقدرة على الصمود أمام المناخ، والتكامل مع الأسواق الإقليمية. وإدراج الزراعة ضمن إطار استثماري طويل الأجل يعني أن الأهداف السياسية يجب أن تتجاوز "زيادة الإنتاج" لتصل إلى "تعزيز استقرار النظام" — بما يشمل خفض الفاقد من المنتجات الزراعية، وموثوقية سلاسل الإمداد، وتيسير الوصول إلى التمويل الريفي، وقدرة صغار المزارعين على دخول الأسواق.

التعاون الدولي ينتقل من "توفير المساعدات" إلى "بناء القواعد والقدرات معًا"

إن إطلاق المنتدى من قبل الشراكة العالمية للحد من الفقر والتنمية (GPPAD)، التي أنشأتها الصين والبلدان الشريكة وتسع منظمات دولية، يعكس اتجاهًا أوسع: فمحور التعاون الدولي ينتقل من تقديم المساعدات من طرف واحد إلى المنصات متعددة الأطراف، وتنسيق السياسات، وبناء القدرات. وتكمن أهمية هذه المنصات بالنسبة إلى البلدان النامية في أنها ليست مجرد قنوات للتمويل، بل أيضًا فضاءات لتبادل الخبرات، وصياغة القواعد، وتنسيق الأجندات.لكن، فإن السؤال الحقيقي هو ما إذا كانت آليات التعاون الجديدة قادرة فعلاً على رفع كفاءة الحدّ من الفقر، وليس في التسمية نفسها، بل في مدى امتلاكها ثلاث قدرات: أولاً، هل تستطيع تقديم دعم دقيق للفئات الأكثر هشاشة؛ ثانياً، هل تستطيع ربط سياسات المناخ والزراعة والرقمنة والتعليم والتوظيف ببعضها؛ ثالثاً، هل تستطيع إنشاء آلية عابرة للحدود وللمؤسسات لتقييم النتائج، بما يتجنب «كثرة التصريحات وقلة الوفاء».

الدلالات بالنسبة للحوكمة العالمية: لم تعد قضية الفقر مجرد مسألة سياسة اجتماعية

تذكّرنا كلمة ليبيريا بأن حوكمة الفقر لم يعد ينبغي أن تُفهم على أنها مجرد قضية إنسانية أو قضية رفاه اجتماعي. فهي في الواقع قضية مركّبة تتقاطع فيها الحوكمة العالمية والأمن الاقتصادي والتكيّف المناخي. وتزداد قدرة أي دولة على الحدّ من الفقر اعتماداً على ما إذا كانت ماليتها العامة وبنيتها التحتية ونظامها الغذائي وجودة التعليم والمرونة الصحية والاتصال الرقمي لديها تتحسن بالتوازي.

وهذا يعني أن إطار الحدّ من الفقر في المستقبل يحتاج إلى أن يقترب أكثر من «بناء القدرات التنموية» لا من «إدارة المشاريع». وبالنسبة إلى المنظمات الدولية ومراكز البحوث السياساتية ومستثمري ESG، فإن السؤال الحقيقي ليس كم مشروعاً أُنجز، بل ما إذا كانت البيئة المحلية قد كوّنت أساساً مؤسسياً قادراً على توليد الدخل بشكل مستدام، وامتصاص الصدمات، وتوسيع الفرص.

ومن هذا المنظور، فإن ما طرحته ليبيريا في بكين لم يكن مجرد مطلب دولة بعينها، بل تعبيراً مركزاً من بلدان الجنوب العالمي عن نظام تنموي جديد: فإذا كان المجتمع الدولي يريد لأهداف الحدّ من الفقر أن تستعيد معناها الواقعي، فعليه أن يقبل حقيقة مفادها أن جوهر حوكمة الفقر قد انتقل من «مساعدة الضعفاء» إلى «إعادة بناء الأنظمة».

الخاتمة

تكمن أهمية منتدى 2026 العالمي للحدّ من الفقر والتنمية في أنه أعاد قضية طالما جرى تبسيطها إلى مستوى البنية الهيكلية. فالحدّ من الفقر ليس تدخلاً لمرة واحدة، بل هو نتيجة تفاعل السياسات المالية والصناعية والمناخية والبنية التحتية والقدرات الحوكمية معاً. وبالنسبة إلى دول مثل ليبيريا، فإن ما تحتاجه حقاً ليس مزيداً من التعهدات قصيرة الأجل، بل نظام استثماري قادر على دعم فرص العمل طويلة الأمد والأمن الغذائي وتحسين الخدمات العامة.

أما بالنسبة إلى منظومة التنمية العالمية، فربما تكون هذه هي الحقيقة التي لا بد من مواجهتها في المرحلة المقبلة: إذا كان تمويل التنمية لا يخدم بناء المرونة، وإذا كان التعاون الدولي لا يستجيب للاحتياجات النظامية للدول الهشّة، فإن مشكلة الفقر لن تختفي، بل ستستمر في الظهور بأشكال جديدة.

ملاحظة السجل العام · globaldevjournal

تضع globaldevjournal هذه الملاحظة ضمن التنمية / الحوكمة البيئية والاجتماعية والسياسات / المناخ. ينبغي فتح روابط المصادر قبل إعادة استخدام الملخص؛ ما زالت التواريخ والأسماء وتغيرات الحالة تحتاج إلى تحقق (التنمية / الحوكمة البيئية والاجتماعية والسياسات / المناخ يوضح الزاوية التحريرية المحلية).

روابط المصادر

  1. https://www.liberianobserver.com/news/liberia-calls-for-new-global-framework-on-poverty-reduction/article_9762307e-cdfe-48b3-9d0f-46205022b8d8.htmlأساسي

مقالات ذات صلة

العودة إلى القسم